التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المساجين الصغار

  


لفت انتباهي لقطة بسيطة بينما كنت أشاهد فيلمًا قديمًا، يظهر فيه الأب وهو يدفع عربة أطفال يجلس فيها ابنه الصغير، وقد بدا غارقًا في مشاهدة ما حوله مبتسمًا. وهذا ما كان يحصل مع كل طفل في مثل حاله في تلك الأيام؛ إذ كان ذلك وقتًا خالصًا له، يتأمل فيه المارة من صغير وكبير، ومواطن وغفير، ويراقب ورق الشجر تحركه الرياح، أو يتساقط إن كان الخريف قد طرق الأبواب ودثّر الخضار والأيام المِلاح. ثم ينتقل نظره من السماء إلى الأرض، فيشاهد الحجارة المتناثرة، أو ربما بعض العشب، أو البلاط اللامع، وانعكاس صورته فيه، أو في المرايا الجانبية إذا كان في مركز تسوق.

صحيح أن معظم هذه العربات لا يكون فيها اتجاه الطفل مواجهاً للطريق (ظهره لوالديه)، وفي ذلك استراحة للطرفين، إلا أنها تمنحه مساحةً رحبةً ليتفاعل مع محيطه؛ فتشم حواسه روائح جديدة، ويرى مشاهد حياتية حقيقية، ولو كانت ذبابةً يهشّها عن خده بحنية، أو نحلةً يلمحها تختلس رحيق زهرة بهية. ويستمع إلى حوار لطيف بين اثنين من المارة، أو إلى نداء على بضاعة معروضة: "الثلاثة بعشرة (ولعل هذه العروض اختفت من نابلس هذه الأيام)، أحداث كثيرة وتجارب مثيرة، غنية بتنوع أمكنتها وتعدد صورها.

أما اليوم، فتشاهد الطفل محبوسًا في لوحه الإلكتروني "الذكي"، يحاصر وجنتيه، ويئد عينيه، في تراب رقمي، يعيش في عالم آخر، سُمح فيه باعتقال القُصّر والأطفال الخُدّج، وسط مباركةٍ صامتة من بعض الآباء والأمهات.

أحزن كثيرًا عندما أرى هؤلاء المساجين الصغار، ولطالما وددت أن أنقذهم وأفك قيدهم، أو أن أنصح أولياء أمورهم، لكنني لا أستطيع. فكتبت اليوم ما كتبت، فلعل كلمةً صادقة توقظ قلبًا غافلًا، ورب مبلّغ أوعى من سامع.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هالة التشات جي بي تي ChatGPT

  يتسابق الجميع في إدخال الذكاء الاصطناعي في عملياته ومنهم من ينتظر، وبعضهم يزعم استخدامه من أجل إظهاره تطوره وقدراته فتراه مثلاً يدخل Chatbot للتواصل مع العملاء وتتفاجأ أنه يستسلم من أول جولة ويحولك إلى الموظف، ثم جاء ChatGPT وأعطى الناس فكرة بسيطة عن الإمكانيات الحقيقية المذهلة للذكاء الاصطناعي في المستقبل، وما يدور خلف الكواليس في غرف شركات التكنولوجيا العملاقة.   لا شك أن بزوغ هذا النجم والحديث عنه في الإعلام بكثافة جعلنا نستمع لبعض من استخدمه ومدحه أو ذمه وقد جربته بنفسي قليلًا لأرى إمكانياته، ولا شك أنه مبهر للوهلة الأولى وربما هذا ما جعله حديث الناس حيث تلقفه الإعلام وكالعادة قام بتهويل إمكانياته وهذا ديدنهم (وطبعًا في بلادنا ممكن أكثر شوية لأنه طاسه وضايعه إلى حد ما) لكن بشكل عام الإنسان متعطش دائما بالفطرة لأي جديد ومثير (هكذا جُبل دماغنا)، والإعلام يجري خلف الأخبار التي تصدح لأنها بالمال تصدع، وقد أصبحت التكنولوجيا كغيرها من المواضيع يتحدث بها الناس في جلساتهم مثلها مثل كل شيء آخر وليست محصورة على المتخصصين وخصوصاً بعد وصول الانترنت والهاتف الذكي أيدي الجم...

تجربة استونيا التنموية

   شاركت في مسابقة رياضية وثقافية وسط صحراء الكويت، وكان أحد الأسئلة متعلق بالجغرافيا، حيث ظهر علم مخطط بالأزرق والأسود والأبيض اختاره طلاب جامعة تارتو في استونيا لجمعيتهم الطلابية ثم أصبح علم الدولة، ولا أدري كيف حزرتُ الإجابة حينها، ولم يخطر في بالي أني سأزورها في نفس العام، فهي دولة أوروبية شرقية، وغير معروفة بالسياحة أو أي عامل جذب غير السونا مثلها مثل فنلندا وجيرانها وليس في ذلك تمايز.  انطلقنا الأسبوع الماضي ضمن وفد رائع من خريجي مؤسسة القدومي المتميزة في دعم برامج بناء الإنسان الفلسطيني ورأس المال البشري. اجتمعنا بدعوة من المؤسسة رغم تشتتنا في بقاع الأرض ولقد  أحسنت إدارة المؤسسة باختيارها هذه الدولة لدراسة تجربتها والاستفادة منها، ف استونيا دولة تعداد سكانها أقل من مليون ونصف نسمة، مرت بفترات عصيبة واحتلال سويدي ودنماركي وألماني وروسي لسنوات ولكنها لم تنقرض وناضلت وسرعان ما تقدمت بمجرد أن تحررت، وقد تمكنت من مضاعفة دخلها القومي ثمانية أضعاف خلال ما يقارب عشرين سنة، بدعم غربي وهذه قصة بحاجة إلى تفصيل وتعليق منفصل في مناسبة أخرى.   هذه الدولة الصغيرة ...

تعلم على راحتك

من فترة جاءت برفيسور لندا هيل من هارفرد الى الكويت وكانت محاضرتها ليلاً ( يعني بدك تترك أولادك وبعد تعب الدوام واللي زي بنام  بدري فيها غلبة  كثير   ، وطبعا لازم تسجل وقصة) ، وكعادتي كتبت ملاحظات للاستفادة والإفادة من خلال مدونتي باقتباس تعليق أو جملة مفيدة أو مصدر مهم! لكني وجدت محاضرة لها على تيد  TED  شبيهة جداً بما قدمته لنا وها أنا أنشره لكم للفائدة ( هنا ) لأنها كانت محاضرة مميزة. رسالتي هنا ، أننا  حقاً محظوظون مقارنة بمن سبقونا ،  فنحن  نشهد وفرة كبيرة من المعلومات التي يمكن الاستفادة منها دون تعب أو سفر ، خصوصاً مع توفر الكثير من المصادر المتاحة دون تكلفة أو تكلفة بسيطة ، من خلال الانترنت سواء القصيرة أو الطويلة الممنهجة مثل  coursera , edx, udemy, Khan Academy, TED talk, HBR , MIT opencourseware    وطبعاً الكتب الالكترونية المتوفرة الآن بطريقة خيالية لا نحتاج إلى سفر (ولا نوصي حد من الجامعة الاردنية وهو نازل على الجسر: كما كنا نفعل أيام الجامعة في آواخر التسعينتات)    ، الآن مباشرة من أمازون كندل ،...